الشيخ محمد الصادقي

92

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

أخرى حول القمر وحالاته ومنازله منذ هلاله حتى عاد كالعرجون القديم ، وقد يكفي هذا الجواب لمحة صارحة عن موقف السؤال . ثم ترى ما هي الصلة القريبة أو البعيدة بين صدر الآية إلى « والحج » وبين ذيلها « وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها » ؟ إنه ظاهرة الصلة بمن يسألون عن الأحوال الكونية للأهلة وهم يجهلون دورها الشرعي ، وكذلك الصلة بواجهة التعنت في السؤال استجهالا في حكمة الأهلة ، وانه من إتيان البيوت من ظهورها ، وكذلك الصلة بالحج ، فقد تعودت جماعة - كسنة حسنة في زعمهم - ان يأتوا بيوتهم في حجهم أو عمرتهم من ظهورها « 1 » ، فنهاهم اللّه عن هذه العادة المتخلفة ، ولكن الآية أشمل موردا من هذه الثلاث فهو ان يأتي الأمر من وجهه أي الأمور

--> ( 1 ) . في الدر المنثور 1 : 104 عن البراء قال : كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره فأنزل اللّه الآية ، وعنه كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلّا من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه فقيل له في ذلك فنزلت هذه الآية . و فيه اخرج ابن جرير عن السري قال : ان ناسا من العرب كانوا إذا حجوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها كانوا ينقبون في ادبارها فلما حج رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) حجة الوداع اقبل يمشي ومعه رجل من أولئك وهو مسلم فلّما بلغ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) باب البيت احتبس الرجل خلفه وأبى ان يدخل قال يا رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) إني أحمس وكان أولئك الذين يفعلون ذلك يسمون الحمس قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وأنا أيضا أحمس فادخل فدخل الرجل فانزل اللّه « وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها » أقول واما ما ورد من تقرير الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) لدخول البيوت من ظهورها ثم نزلت الآية ناسخة لذلك التقرير فليس بجدير لساحة الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) لأنه ما كان يسن غير البرّ فهل سنه اللّه أولا ثم نسخه فكيف يسن اللّه غير البر ثم ينسخه ، فإنما كانت عادة جاهلية نشبت إلى المسلمين لفترة والرسول يخالفهم فيها كما في نص الرواية الأخيرة حتى نزلت هذه الآية تنديدا بها .